سعر النفط مارس 2026

منذ اللحظة التي أُعلن فيها إغلاق مضيق هرمز على وقع الحرب بين إيران والولايات المتحدة، انطلقت موجة من التوقعات الدراماتيكية في الإعلام العالمي والعربي على حد سواء: “النفط إلى 200 دولار”، “300 دولار للبرميل بات قريبًا”، “صدمة طاقية تاريخية”.

رد فعل السوق كان فوريًا: قفز خام برنت 7.8% ليصل إلى 78 دولارًا للبرميل، وارتفعت أسهم الطاقة بقوة، إذ صعد صندوق Energy Select Sector SPDR (XLE) بنسبة 2% في جلسة واحدة، لترتفع مكاسبه منذ بداية العام إلى 27.6%، متفوقًا بفارق كبير على أداء مؤشر S&P 500 الذي لم يحقق سوى 0.7% تقريبًا.

لكن لنتوقف عند الرقم الأهم: 78 دولارًا للبرميل. هذا ليس مستوى تاريخيًا، ولا حتى مستوى أزمة استثنائية، إنه ببساطة سعر يعيد النفط إلى مستواه قبل أقل من تسعة أشهر.

بعبارة أخرى، أحد أهم الممرات النفطية في العالم أُغلق، ومع ذلك بقي السعر ضمن نطاق عام واحد، هذه الحقيقة وحدها تكشف أن السوق لم يكن هشًا كما يُصوَّر.

لفهم السبب، يجب العودة إلى المعطيات الأساسية، في تقريرها الأخير، توقعت الوكالة الدولية للطاقة ارتفاع المعروض العالمي هذا العام بنحو 2.4 مليون برميل يوميًا، في حين يُنتظر أن يرتفع الطلب بنحو 850 ألف برميل فقط.

الفارق بين الرقمين يعني فائضًا واضحًا في المعروض، بل إن عام 2025 شهد زيادة في المخزونات العالمية بلغت 477 مليون برميل، أي ما يعادل 1.3 مليون برميل يوميًا من التراكم الصافي.

هذه ليست بيئة سوق متعطشة للبراميل بل سوق مثقلة بالمخزون، وتعاني من ارتفاع الإنتاج الأمريكي الذي يتصدر السوق وعودة فنزويلا إلى تصدير نفطها.

لهذا السبب لا خوف على امدادات النفط مع إنتاج قوي من الولايات المتحدة، وتوسع في أميركا اللاتينية، واستمرار طاقات إنتاجية فائضة لدى بعض المنتجين الخليجيين.

في المقابل، كان نمو الطلب معتدلًا، متأثرًا بتباطؤ اقتصادي نسبي وبالتحول الهيكلي نحو الكهرباء والمركبات منخفضة الاستهلاك.

النتيجة كانت سوقًا “ناعمة” قبل إغلاق هرمز، وهو ما يفسر لماذا لم يتحول الحدث الجيوسياسي إلى انفجار سعري كما توقعت وسائل اعلام عربية ومحللي سوق الجمعة.

لكن هذا لا يعني أن إغلاق المضيق لن يؤثر على أسعار النفط، لو استمر الإغلاق لفترة طويلة فإن المنتجين الخليجيين سيجدون أنفسهم أمام حدود تخزين، ومع امتلاء المخازن قد يضطرون إلى خفض الإنتاج فعليًا، ما يقلص الفائض بسرعة ويحوّل السوق من حالة وفرة إلى حالة شحّ.

هنا فقط يمكن أن تبدأ الأسعار في مسار تصاعدي حاد، لكن هذا السيناريو مشروط بالمدة لا بمجرد الحدث، وبما أن إيران تعاني من الضربات الأمريكية القوية وقد خسرت معركة الجو والبحر فإن امدادات النفط الخليجية لن تتأثر بالصورة السيئة المتوقعة.

في عام 2008، عندما بلغ النفط ذروته التاريخية قرب 147 دولارًا، كان السوق يعاني من نمو طلب صيني قوي، وطاقة إنتاجية فائضة محدودة جدًا، ومخزونات منخفضة، أما اليوم، فالسياق مختلف جذريًا: طاقة إنتاجية فائضة لا تزال قائمة، مخزونات مرتفعة، ونمو طلب متباطئ نسبيًا.

في الوقت الحالي، يوازن السوق بين قوتين متعارضتين: صدمة جيوسياسية حادة وسوق يعجّ بالعرض، ولهذا لا نتوقع ارتفاعا في أسعار النفط إلى المستويات الفلكية المتوقعة.