
لم تكن المهمة تطوير برنامج معقد أو تحليل ملايين المعاملات، بل إعداد رد تلقائي على رسائل البريد الإلكتروني لإبلاغ المرسلين بالغياب عن المكتب، ومع ذلك، بلغت تكلفة تنفيذها بالذكاء الاصطناعي داخل شركة «ريتول» نحو 10 آلاف دولار يوميًا، وفقًا لرئيسها التنفيذي ديفيد هسو.
وتكشف الواقعة جانبًا من تكاليف الذكاء الاصطناعي التي قد تغيب خلف الوعود بزيادة الإنتاجية، إذ يمكن لأداة تؤدي وظيفة بسيطة أن تستهلك موارد ضخمة، بينما تظل قيمتها الفعلية أقل بكثير من فاتورة تشغيلها.
ملايين الرموز من أجل رسالة غياب
روى هسو، الذي يقود شركة برمجيات المؤسسات «ريتول» ومقرها سان فرانسيسكو، أن أحد زملائه قرر استخدام الذكاء الاصطناعي لجدولة الردود التلقائية الخاصة بالغياب عن المكتب، قبل أن يتبين أن الأداة تعالج ملايين الرموز النصية يوميًا.
وقال خلال مشاركته في قمة مجلس التكنولوجيا التابعة لمعهد القيادة في صحيفة «وول ستريت جورنال»: «كانت تكلف الشركة 10 آلاف دولار يوميًا»، واصفًا اكتشاف هذا الاستهلاك بأنه «صادم حقًا».
والرموز النصية، المعروفة باسم «توكنز»، هي الوحدات التي تعالج بها النماذج اللغوية النصوص، ويُستخدم عددها في احتساب تكلفة كثير من خدمات الذكاء الاصطناعي، لذلك يمكن لتكرار المعالجة على نطاق واسع أن يرفع الفاتورة حتى عندما تبدو المهمة بسيطة.
ولم تتضمن الرواية تفاصيل تقنية تفسر سبب هذا الحجم من الاستهلاك، أو تحدد النموذج المستخدم ومدة تشغيل الأداة، ما يجعل الواقعة مثالًا على سوء تقدير تكلفة تطبيق بعينه، دون أن تثبت أن استخدام الذكاء الاصطناعي في البريد الإلكتروني مكلف بالضرورة.
تجربة واسعة وإيقاف سريع للمشروعات غير المجدية
رغم هذه التجربة، يرى هسو أن الشركات تحقق عائدًا على استثماراتها في الذكاء الاصطناعي، لكن الصعوبة تكمن في تحديد التطبيقات المجدية قبل اختبارها.
وقال: «من الصعب حقًا أن تعرف مسبقًا أي استخدام للذكاء الاصطناعي ستكون له قيمة وأيّها لن تكون له قيمة»، مضيفًا: «ولذلك، فإن الاستراتيجية الوحيدة التي يمكنك اتباعها هي أن تتيح الكثير من التجارب، ثم عليك أن توقف سريعًا ما لا ينجح، وأن تستثمر المزيد أيضًا».
ويعكس هذا الطرح معضلة تواجه إدارات الشركات، فالتوسع في التجريب يساعد على اكتشاف استخدامات مفيدة، لكنه يحتاج إلى متابعة مالية تتيح وقف الأدوات التي تستهلك أكثر مما تضيف، وتوجيه الإنفاق نحو التطبيقات التي تثبت جدواها.
إنتاجية يشعر بها الموظف ولا تظهر دائمًا في الأرباح
قدمت كيت سماج، الشريكة الأولى والقائدة العالمية للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في «ماكينزي»، قراءة أكثر تحفظًا للعائد المالي، مشيرة إلى أن المكاسب تتركز حاليًا لدى مجموعة محدودة من المستفيدين.
وقالت في الجلسة نفسها: «العائد على الاستثمار متركز بدرجة كبيرة جدًا في الوقت الحالي»، موضحة أن أكثر من 80% يقولون إنهم يحققون مكاسب في إنتاجيتهم الشخصية، مثل كتابة رسائل البريد بصورة أسرع وتحسين سير يوم العمل.
لكن الصورة تتغير عند الانتقال إلى نتائج يمكن للإدارة المالية قياسها، وأضافت: «لكن إذا انتقلت من ذلك إلى السؤال: حسنًا، هل هناك شيء يستطيع المدير المالي أن يراه فعلًا؟ هل حققتم بالفعل زيادة قابلة للقياس في الأرباح قبل الفوائد والضرائب؟ فإن هذه النسبة تنخفض بسرعة كبيرة إلى نحو 37%».
ولم تتضمن المقتطفات المعروضة تفاصيل العينة أو منهجية القياس المرتبطة بهذه النسب، لكنها توضح التمييز الذي تطرحه سماج بين استفادة الموظفين الفردية وتحسن الأداء المالي للمؤسسة.
من توفير الوقت إلى إثبات القيمة
وقالت سماج: «لذلك أعتقد أن الواقع هو أن معظم الناس لا يحققون قيمة منه، لكن الذين يحققونها يتركزون بشدة، والمطلوب هو أن نتعلم ما الذي يفعلونه بصورة مختلفة».
وتضع هذه الملاحظات معيارًا أكثر صرامة أمام موجة تبني الذكاء الاصطناعي، فتوفير دقائق في كتابة رسالة لا يتحول تلقائيًا إلى زيادة في الأرباح، ما لم تستطع الشركة ترجمة الوقت الموفر إلى إنتاج أكبر أو خدمة أفضل أو انخفاض فعلي في التكاليف.
أما قصة الرد الآلي البالغ 10 آلاف دولار يوميًا، فتختصر السؤال الذي ينبغي أن يسبق التوسع في أي تجربة: كم يكلف إنجاز المهمة، وما القيمة التي تحصل عليها الشركة مقابل ذلك؟
