طالبان تحظر الشطرنج وتحرج الزنادقة المسلمين

في خطوة أثارت جدلاً واسعاً، أعلنت حركة طالبان في أفغانستان، في 11 مايو 2025، حظر لعبة الشطرنج في عموم البلاد، معتبرة إياها نشاطاً يعتمد على الحظ وينتهك القوانين الأخلاقية والدينية.

القرار، الذي صدر عن وزارة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أثار موجة من التساؤلات حول مدى مشروعية هذا الحظر، لا سيما في ضوء التاريخ الطويل للعبة الذي يتشابك مع التراث الإسلامي، وكذلك الفتاوى الدينية التي تناولتها عبر العصور.

فهل حظر الشطرنج قرار متطرف يعكس تشدد طالبان الأيديولوجي، أم أنه يستند إلى أسس فقهية متجذرة في التاريخ الإسلامي؟ هذا المقال يغوص في أعماق هذا الجدل، مستعرضاً السياق التاريخي والفتاوى التي حظرت الشطرنج، والتي قد تكون مصدر إحراج لمن يتهمون طالبان بالتطرف دون النظر إلى الخلفية الفقهية.

طالبان وفرض الإسلام البدوي الأصيل

منذ عودتها إلى السلطة في أغسطس 2021، تسعى طالبان إلى فرض رؤيتها الصارمة للشريعة الإسلامية، حيث حظرت العديد من الأنشطة الثقافية والرياضية، بدءاً من الموسيقى والفنون القتالية المختلطة، وصولاً إلى منع النساء من التعليم الجامعي والمشاركة في الأنشطة العامة.

قرار حظر الشطرنج، الذي أعلنه المتحدث باسم مديرية الرياضة أتال ماشواني، جاء مبرراً بأن اللعبة “وسيلة للمراهنة بالأموال” و”تتعارض مع قوانين الأخلاق”، وفقاً لقانون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الصادر في 2024.

كما اعتبرت طالبان أن الشطرنج “منتج ثقافي غير إسلامي” يرتبط بالعولمة الغربية، مما يهدد الهوية الإسلامية للأمة الأفغانية، حسب رؤيتهم.

لكن هذا القرار لم يكن معزولاً عن سياق تاريخي، الشطرنج، الذي نشأ في الهند خلال القرن السادس الميلادي وانتقل إلى الإمبراطورية الفارسية ثم إلى العالم الإسلامي في القرن السابع، كان دائماً محط جدل فقهي، فقد ارتبطت اللعبة بالبلاط الملكي والنخب الفكرية في العصر العباسي، لكنها في الوقت ذاته واجهت انتقادات من بعض الفقهاء الذين رأوا فيها مضيعة للوقت أو وسيلة للقمار.

تحريم الشطرنج في الإسلام كان هو الخيار الأفضل عادة للفقهاء والسلفيين الذين يعتبرونه من الملهيات عن ذكر الله.

حكم الشطرنج في الإسلام

للشطرنج تاريخ طويل في العالم الإسلامي، حيث كانت تُعرف بـ”الشطرنج” أو “النرد” في بعض النصوص القديمة، وهو ما خلق لبساً في بعض الأحيان بينها وبين ألعاب الحظ.

العديد من الفقهاء تناولوا حكم الشطرنج عبر العصور، وكانت الفتاوى تتراوح بين التحريم والإباحة بناءً على التفسيرات الفقهية لكن التحريم كان هو المرجح:

  • الإمام مالك بن أنس: وفقاً لبعض الروايات، اعتبر الإمام مالك الشطرنج من قبيل النرد، مستنداً إلى الآية القرآنية: “إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ” (المائدة: 90)، رأى مالك أن الشطرنج، إذا ارتبط بالمراهنة أو ألهى عن الصلاة، فهو محرم. لكن هناك روايات أخرى تشير إلى أن مالك أجاز اللعب بها إذا خلا من القمار.
  • ابن رشد الحفيد: في كتابه “بداية المجتهد”، ذكر ابن رشد أن بعض الفقهاء حرموا الشطرنج لأنها قد تؤدي إلى إضاعة الوقت أو تُستخدم في المقامرة، خاصة إذا كانت تُلعب بجوائز مالية.
  • ابن تيمية: كان من أشد المتشددين في تحريم الشطرنج، معتبراً أنها تُلهي عن ذكر الله وتُشغل العقل بما لا ينفع، في “مجموع الفتاوى”، قال: “الشطرنج أشد إثماً من النرد لأنها تُشغل العقل وتُفسد الأخلاق”، وقد استند إلى أحاديث تحرم الميسر، مفسراً أن الشطرنج قد تُستخدم كوسيلة للقمار.
  • الإمام النووي: في كتابه “المجموع”، ذكر أن الشافعية اختلفوا حول الشطرنج، لكن الرأي الغالب لدى الشافعيين هو تحريمها إذا ارتبطت بالمراهنة أو أدت إلى إهمال الواجبات الدينية.

في العصر الحديث، تباينت الآراء أيضاً. على سبيل المثال، أجاز الشيخ يوسف القرضاوي الشطرنج كرياضة فكرية، مشيراً إلى أنها تُنمي التفكير الاستراتيجي ولا تتعارض مع الشريعة إذا خلا اللعب من المحرمات.

في المقابل، أصدر الشيخ عبد العزيز بن باز فتوى في القرن العشرين تحرم الشطرنج إذا أدت إلى إضاعة الوقت أو شغلت عن الواجبات الدينية.

طالبان تحظر الشطرنج وفق الإسلام الصحيح!

يمكن القول إن طالبان تستند إلى آراء فقهية قديمة، مثل فتاوى ابن تيمية التي حظرت الشطرنج بناءً على مخاوف من المقامرة أو إضاعة الوقت، هذا الاستناد قد يُحرج بعض المنتقدين الذين يتهمون طالبان بالتطرف دون النظر إلى الخلفية التاريخية، فالشطرنج، رغم شعبيتها في العالم الإسلامي، لم تكن يوماً بعيدة عن الجدل، وكثير من الشيوخ عبر التاريخ حرموها فعلاً.

من ناحية أخرى، يرى المعارضون أن قرار طالبان يعكس تشدداً أيديولوجياً يتجاوز الفقه التقليدي. فالشطرنج، كما أشار نشطاء أفغان على منصة إكس، لعبة فكرية تُنمي المهارات الذهنية ولا تتعارض بالضرورة مع الشريعة إذا خلا من المحرمات.

وقد استنكر الاتحاد الروسي للشطرنج القرار، معتبراً أنه يُفقد الشباب فرصة لتنمية قدراتهم، كما أن العديد من الدول الإسلامية، مثل إيران والسعودية، لديها لاعبون على مستوى عالمي في الشطرنج، مما يشير إلى قبول واسع للعبة في العالم الإسلامي المعاصر.

يرى منتقدو طالبان أن الحظر جزء من نمط أوسع لتقييد الحريات الثقافية والفكرية في أفغانستان. فمنذ عودتها إلى الحكم، فرضت الحركة قيوداً صارمة على التعليم، وحظرت النساء من المشاركة في الرياضة، وقلصت من الأنشطة الترفيهية.

في هذا السياق، يُنظر إلى حظر الشطرنج كرمز لمحاولة طالبان فرض نموذج ثقافي أحادي، يتعارض مع التنوع الثقافي الذي ميز أفغانستان تاريخياً.