
رغم نفي الحكومة اللبنانية بشكل واضح اتفاقها مع إسرائيل على استيراد الغاز الطبيعي منها، ونفي الولايات المتحدة أنها لعبت دور الوسيط في هذه الصفقة المزعومة، من الواضح أن الغاز الإسرائيلي هو الواقع الجديد في المنطقة.
وتلعب مصر دورا مهما للغاية في انقاذ لبنان من الظلام، حيث تدافع القاهرة عن السلام في الشرق الأوسط وتنشط بقوة في عملية التسوية الشاملة التي يشارك بها المغرب والأردن والإمارات.
كيف يتم تصدير الغاز الإسرائيلي إلى لبنان والأردن وحتى سوريا؟ وهل يمكن أن تكون حكومات هذه الدول على معرفة بذلك؟
اتفاق إسرائيل مع الأردن وتعاون مباشر
من المعلوم أن إسرائيل والأردن على علاقة سلام منذ القرن الماضي، وهناك تعاون وثيق بين عمان وتل أبيب، وتأتي اتفاقية أواخر 2021 للتعاون في مجال المياه والطاقة لتتوج هذه العلاقة القوية.
اتفاق إعلان نوايا للتعاون في إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية وتحلية المياه، يتضمن العديد من الأمور الطموحة للدولتين، الأولى أن تقوم شركة إماراتية ببناء محطة الطاقة الشمسية في الأردن لتوليد الكهرباء لإسرائيل، والثانية أن تصدر تل أبيب 200 مليون متر مكعب من المياه سنوياً.
ومنذ 2014 بدأ البلدان أيضا اتفاقا قيمته 15 مليار دولار على مدار 15 سنة تحصل بموجبه المملكة الهاشمية على 45 مليار متر مكعب من الغاز وهذا من حقل لفايثان الذي تملك إسرائيل منه 61 في المئة، و39٪ الأخرى تملكها شركة نوبل الإنرجي الأمريكية.
وفق هذه الإتفاقيات الواضحة، تتنامى العلاقات التجارية بين الأردن وإسرائيل رغم اعتراض مجلس النواب الأردني، وهكذا تصدر إسرائيل الغاز إلى الأردن.
اتفاق إسرائيل مع مصر وفق التعاون المباشر
يرتبط البلدين باتفاق سلام طويل الأمد، وتم تسوية العديد من النزاعات الحدودية، ورغم المنافسة والحساسية الشعبية إلا ان الساسة والقادة في البلاد يحفظون الاتفاق الذي ذهب إليه الزعيم المصري الراحل محمد أنور السادات.
في أوائل 2020 شرعت إسرائيل في ضخ الغاز إلى مصر وهذا بواقع 200 مليون قدم مكعب يوميا، خلال 2021 ارتفع إلى 450 مليون قدم مكعب يوميا، ويمكن زيادة هذه الكمية بشكل أكبر مع توسيع الشبكة وتحسينها بحلول 2023.
والحقيقة أنه تم عقد اتفاق بين مصر وإسرائيل عام 2019، وهو اتفاق مدته 15 عاما ستستورد بناء عليه مصر الغاز من إسرائيل.
وتؤكد القاهرة أنه لديها اكتفاء ذاتي من الغاز الطبيعي وقد اكتشفت المزيد منه في الصحراء الغربية والعديد من المناطق المختلفة، إلا أن هناك سببين وراء الصفقة، أولهما حاجة مصر المتزايدة للغاز وقد لا تصبح مكتفية ذاتيا مستقبلا، وثانيا تضع نفسها كوسيط في تجارة الغاز حيث تستورد الغاز الإسرائيلي بهدف تصديره.
ارتفعت صادرات مصر من الغاز الطبيعي 900% خلال 2021 حيث تمكنت في الربع الثالث لوحده من تصدر مليون طن مكعب من الغاز.
مشروع خط الغاز العربي
تعود فكرة مشروع خط الغاز العربي إلى أوائل الألفية الثانية، وفي عام 2004 اتفقت مصر والأردن ولبنان وسوريا مع العراق لتوصيل الغاز الطبيعي إليه.
لكن هذا الخط واجه تحديات وهجمات من داعش والنصرة وجهات أخرى شاركت في فوضى الربيع العربي ولعبت دورا أساسيا في نشر الفوضى بالمنطقة.
لكن مع اندحار داعش وتوجه الحكومات العربية إلى الليبرالية والسعي إلى التسوية الشاملة في المنطقة استعاد خط الغاز العربي بريقه.
ويشكل الغاز الإسرائيلي في الوقت الراهن جزءا من مشروع خط الغاز العربي ولو بطريقة غير مباشرة، إذ ستستخدم مصر الغاز الإسرائيلي في صادراتها نحو الأردن والعراق وسوريا ولبنان وحتى تركيا التي ارتفعت وارداتها من الغاز المصري والإسرائيلي خلال 2021.
وبينما الإتفاق يربط مؤخرا بين مصر والأردن وسوريا ولبنان لتصدير الغاز الطبيعي إلى الأخير، إلا أن إسرائيل موجودة في الإتفاق بطريقة غير مباشرة.
الغاز الإسرائيلي والتسوية الشاملة
يشكل الغاز الطبيعي جزءا مهما من مزيج الطاقة في المستقبل، ومع تراجع النفط تتطلع الدول التي تكتشف كميات متزايدة منه إلى لعب دور أكبر من خلال تصديره.
اكتشفت كل من سوريا ولبنان وإسرائيل وفلسطين ومصر وتركيا كميات منه في البحر الأبيض المتوسط، ولا تزال قطر تبحث عن طرق أفضل لتصدير الغاز إلى أوروبا.
أما ايران فهي تنافس إسرائيل ومصر على السوق العراقية والتركية، وتبحث عن تصدير الغاز بشكل مباشر إلى أوروبا عبر سوريا وتركيا، بينما اشترت الإمارات 22% من أسهم حقل الغاز الإسرائيلي “تمار” بمقابل 1.1 مليار دولار في أواخر 2021.
وبينما لا يزال موقف السعودية ضبابيا فيما يخص التطبيع مع إسرائيل، إلا أن حدوث ذلك الفترة القادمة هو أمر وارد للغاية، وبناء عليه ستلعب السعودية دورا مهما في تجارة الغاز بالمنطقة.
وتؤسس كل هذه العلاقات المتشابكة لمرحلة أفضل في المنطقة تتميز بالتسوية السياسية للقضايا الأكثر تعقيدا، مثل قضية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وكذلك الصراع الإيراني السعودي.
الأيام القادمة حبلى بالمفاجآت ومن الواضح أن التسوية الشاملة تسير نحو النجاح رغم العقبات، وهي تتضمن رفع الحصار على غزة وتنميتها، وقد بدأت أعمال بناء مدن مصرية هناك، فيما طمأنت إسرائيل كل من الأردن ومصر بأنها لا تخطط لاستخدام أرضهما كوطن بديل للفلسطينيين.
