لماذا اختارت دول الخليج العربي الحياد في حرب إيران وإسرائيل؟

منذ اللحظة الأولى لاندلاع حرب إيران وإسرائيل الواسعة التي بدأتها إسرائيل بالهجوم على المواقع النووية الإيرانية اختارت دول الخليج العربي الحياد وإدانة الهجوم علنا والدعوة لإيقاف إطلاق النار.

هذا الموقف فاجأ بعض المراقبين خصوصا الذين يعتقدون أن السعودية والإمارات وقطر ستنحاز إلى إسرائيل في هذه الحرب التي اندلعت بدون موافقة مجلس الأمن وبدون إرادة أمريكية أيضا.

هناك أسباب عديدة دفعت دول الخليج العربي إلى الحياد في حرب إيران وإسرائيل بل وأيضا التضامن مع الجارة الإيرانية في البيانات الرسمية دون تضامن فعلي حقيقي على أرض الواقع.

الخليج العربي يحافظ على نفسه من الهلاك

أثار الهجوم الإسرائيلي الأولي موجة من الإدانة من جيرانها الإقليميين. أصدرت الرياض وأبو ظبي والدوحة ومسقط بيانات مصاغة بعناية تدعو إلى ضبط النفس وتحذر من مخاطر التصعيد.

ظاهريًا، تبدو ردود الفعل هذه مجرد بروتوكول دبلوماسي معتاد، لكن وراء لغة القانون الدولي وبناء السلام يكمن هدف أكثر واقعية: الحفاظ على الذات.

يقول مهدي جاسم غلوم، الباحث في الجغرافيا السياسية بمؤسسة أوبزرفر للأبحاث: “يسعى الخليج جاهدًا لتجنب حرب بين إسرائيل وإيران. هذه الإدانات العلنية لا تتعلق بالمبادئ فحسب، بل تتعلق أيضًا بالحماية، وإبعاد مصالح الخليج عن الإجراءات الإسرائيلية، على أمل تجنب أي رد انتقامي من إيران”.

الحملة الإسرائيلية، التي وصفها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بأنها “مستمرة”، أودت بحياة مسؤولين عسكريين إيرانيين رفيعي المستوى، بمن فيهم قائد الحرس الثوري الإسلامي ورئيس أركان القوات المسلحة الإيرانية.

ورغم وضوح النية، إلا أن العواقب بعيدة كل البعد عن التوقع. ويحذر غلوم قائلاً: “إذا كانت إسرائيل جادة في أن تكون هذه عملية طويلة الأمد، فمن حق الخليج أن يشعر بالقلق”.

ويضيف: “هناك دائمًا خطر أن تتحول إيران، التي تشعر بالضيق، إلى عقلية بقاء النظام. وهنا تصبح الأمور خطيرة، عندما تبدأ برؤية ردود فعل انتقامية غير تقليدية، أو تفعيل وكالات بالوكالة، أو حتى حسابات نووية خاطئة”.

لهذا السبب بدأت دول الخليج باستخدام علاقاتها الدبلوماسية التي طورتها في السنوات الأخيرة مع البلدين ايران وإسرائيل، خصوصا الإمارات العربية المتحدة التي تتمتع بمكانة مميزة في هذا الصدد ولديها علاقات متقدمة مع تل أبيب وطهران، وتتبعها سلطنة عمان وهناك جهود فطرية وسعودية أيضا لاحتواء الصراع الإيراني الإسرائيلي الذي يهدد مصالح الخليج بشكل مباشر.

اتقاء شر إيران التي تتربص بالخليج العربي

وكما هو معلوم للجميع تتربص إيران منذ صعود الجمهورية الإسلامية الشيعية عام 1979 بالخليج العربي الذي يقود المذهب السني في العالم الإسلامي.

لطالما استعرضت إيران قدراتها العسكرية وأكدت أنها قادرة على سحق دول الخليج من خلال استهداف القواعد الأمريكية هناك وضرب محطات تحلية المياه ثم انتهاء بتدمير الرياض ودبي وأبوظبي وحتى احتلال الكويت والإمارات وقطر.

بعبارة أخرى، إن البراغماتية، وليس الأيديولوجية، هي القوة الدافعة وراء الدبلوماسية الخليجية اليوم، ومع تأرجح المنطقة على حافة صراع أوسع، قد يقع على عاتق الإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان والمملكة العربية السعودية اقناع الطرفين بإيقاف الحرب.

وتعد سلطنة عمان الوسيط الرسمي في المفاوضات الأمريكية الإيرانية حول النووي الإيراني، إضافة إلى تمتع قطر بعلاقات وثيقة مع كلا البلدين، فيما الإمارات لديها علاقات أوسع مع إسرائيل وإيران والولايات المتحدة والهند وهي قوى مؤثرة في المنطقة.

ومن خلال هذه التحركات الدبلوماسية لا تدافع دول الخليج العربي عن إيران كما يبدو للبعض، بل عن مصالحها واستقرار المنطقة لأن الحرب الإسرائيلية الإيرانية ستعكس سلبا على أمنها واستقرارها الاقتصادي والسياسي.

ليس من مصلحة دول الخليج العربي أن تشارك مباشرة في الهجوم على إيران رغم أنه من مصلحتها أن ينتهي البرنامج النووي الإيراني ويتغير النظام في إيران برمته وتنفتح هذه القوة الإقليمية على الخليج والعالم وإسرائيل وبقية الدول العربي وتتوقف عن التدخل في الشؤون الداخلية لجيرانها وتسليح الإنفصاليين والجماعات المخربة مثل الحوثي في اليمن.

لهذا السبب اختارت الحياد وإعلان موقفها بشكل قوي وإدانة الهجمات الإسرائيلية التي أشعلت هذه الحرب الواسعة بين البلدين، تفاديا لحماقة من طهران أو وكلائها الذين يمكنهم استهداف الأراضي الخليجية وضرب محطات تحلية المياه وآبار النفط.

في الوقت ذاته تتعاون دول الخليج مع الولايات المتحدة الأمريكية التي اختارت هي الأخرى الحفاظ على مصالح الخليجيين من خلال تجنب المشاركة في الحرب على إيران التي كانت ستدفع طهران لاستهداف القواعد العسكرية في قطر والعراق ودول الخليج العربي.