كيفية إنقاذ الشركات من الإفلاس: دروس من جون تشين في بلاكبيري

John-Chen-BlackBerry (1)
ابتسامة كلها ثقة بالنجاح … ريادة الأعمال و الأزمة بلمسة جون تشين

إذا كنت متابعا لأخبار بلاكبيري فأنت بالتأكيد تعرف من هو جون تشين، الرئيس التنفيذي الصيني للعملاق الكندي الذي وصل قبل عام و بضعة أشهر إلى حافة الإنهيار التامة .

سارعت العديد من الدول العالمية و منها قطر لإنقاذها بعد أن حاولت عرض نفسها للبيع ، ليتم إقالة الرئيس التنفيذي الألماني ثورشتين هاينز و الذي فشل في مهمة إيجاد طريق نحو بر الأمان بعيدا عن الأزمة التي فتكت كثيرا بالعلامة التجارية الكندية .

حدث كل هذا في أواخر 2013 و على إثره وصل جون إلى هذا المنصب كرئيس مؤقت أعطيت له فيما بعد صفة الرئيس التنفيذي الرسمي للشركة الكندية و منذ ذلك الوقت تحسن أداء الشركة و عادت بقوة نحو المنافسة في أكثر من قطاع ما يرشحه ليكون واحدا من أفضل رجال الأعمال خلال السنوات القادمة إذا واصلت بلاكبيري عودتها .

بالنسبة لي شخصيا يعتبر جون تشين رجل أعمال ذكي مخاطر و رمزا من رموز رواد الأعمال الناجحين اليوم ، فمسيرته المهنية هي التي تتكلم عنه هكذا ، و لعل تجربته الحالية هي أكبر و أخطر تحدي واجهه في تاريخه و يبدوا أنه في طريقه نحو بر الأمان الان

في هذا المقال سننظر بعمق إلى قصته مع بلاكبيري لنستنتج فعلا بعض الدروس المفيدة لنا و التي ستنفعنا في ريادة الأعمال و في أن نكون رجال أعمال ناجحين .

 

  • أن تكون رائد أعمال ناجح هو أن تقبل بالمخاطرة

الخوف من المخاطرة و من القبول بالتحدي في عالم ريادة الأعمال يبقى سلوكا سيئا للغاية ، إذا كنت متخوفا من الخسارة و من التجارب الفاشلة انصحك بأن تبقى موظفا عاديا في شركتك أو تشتغل كفرد عادي في مؤسسة معينة .

كان من الممكن أن يرفض الرجل الصيني القبول بالقدوم نحو واحدة من الشركات التي تعيش أيام عصيبة ، كان عليه أن يبقى في مكانه حيث يتمتع على الأقل بالأمان و الإطمئنان  … لكنه لم يرفض العرض و بكل ثقة أكد في أول مؤتمر صحفي له أنه مؤمن للغاية إزاء قدرته على إنجاح الشركة .

في الواقع قرأ معظم المحللين كلامه على أنها مبالغة و ربما أنه مبني على جهله فعلا بحجم الكارثة التي غرقت فيها الشركة غير أنه مع مرور الوقت أثبت للجميع عكس ذلك .

 

  • خطة طويلة الأمد أفضل من خطة قصيرة المدى في إنقاذ الشركات

كانت بلاكبيري في عهد الألماني ثورشتين هاينز تتبع خطة قصيرة المدى تعتمد على إطلاق نظام بلاكبيري 10 و بالتالي إرتفاع المبيعات و الإقبال على هواتف هذا النظام لكن للأسف تم بالفعل إطلاق النظام مع مميزات جديدة و أخرى موجودة في الأنظمة المنافسة و تم إطلاق بعض الهواتف التي تعمل به و النتيجة هي ذاتها ، المزيد من الخسائر و قلة هامش الربحية و المبيعات … أصيب الجميع هناك بإحباط كبير للغاية مهد لإقالة ثورشتين .

و مع وصول جون تشين قرر رسم خطة طويلة الأمد تسعى من خلالها الشركة نحو المستقبل ، و بالفعل جاءت الخطة و تضمنت خفض تكاليف الإنتاج و إطلاق هواتف جديدة بمعدل معقول و التركيز أكثر على الإبداع ، كما أنها ركزت أيضا على تطوير خدماتها المختلفة سواء للأفراد و الشركات .

 

  • الرهان على أكثر من هدف وقاية من الصدمات و الخسائر المهولة

صحيح أن جون شين خاطر عندما قبل بأن يكون الرئيس التنفيذي لبلاكبيري و هو يعي جيدا أنه سيواجه أيام عصيبة هناك ، لكن سياسته في الشركة كانت حذرة للغاية !

على عكس إدارة ثورشتين هاينز التي كانت تعتبر إطلاق بلاكبيري 10 الطلقة النارية الوحيدة لإنقاذ الشركة و التي لم تصب الهدف في نهاية المطاف ، إدارة الرجل الصيني لا تراهن بالفعل على طلقة واحدة بل على أكثر من طلقة في نفس الوقت فإذا فشلت الأولى في إصابة الهدف كانت الثانية أقرب للحلم من الفشل و هذا سر صعود الشركة مجددا .

إذا كنت تقود شركة نحو خارج دائرة الإنهيار لا تراهن على طلقة واحدة فهذا خطأ سيضع حدا لتاريخك المهني هناك ، لا أحد سيثق بك مجددا داخل و خارج المؤسسة إذا فشل ما تراهن عليه في تتمة عملية الإنقاذ بنجاح ، راهن على أكثر من خطوة و ابتعد عن الرقم “1” في مثل هذه الظروف .

 

  • تقليص الخسائر التشغيلية إستراتيجية ذكية و حكيمة في البداية .

ضمن مساعيه لإنقاذ بلاكبيري مما تواجهه ، عمل جون على تقليص الخسائر التشغيلية للشركة حيث قام بنقل خطوط الإنتاج لمنتجاتها من المصانع الأصلية نحو مصانع شركات طرف ثالت المتخصصة في التصنيع ، بلا شك كانت فوكسون أفضل خيار تعاقد معها .

المصنع الصيني يعمل على إنتاج بلاكبيري باسبورت ثم يقوم بشحنه إلى الأسواق العالمية و الأمر نفسه بالنسبة لهواتف أخرى.

يتم تصميمها من طرف مهندسين متخصصين في كندا ثم يتم إرسال التصميم ليتحول إلى حقيقة ضمن مصانع فوكسكون العملاقة .

تعتمد أبل على نفس المنهجية رغم أنها تتمتع بسيولة قوية و سمعة ممتازة و يرى جون أن العمل على نفس إستراتيجية الشركة الأمريكية قرار حكيم ليس فقط الأن بل حتى في وقت الرخاء !

النتيجة بالفعل كانت هي تقلص خسائر الشركة و إرتفاع هامش الربحية لاستخدامه في دفع التكاليف و تسديد الديون ، و بثقة عالية أعلن جون نهاية العام المنصرم في مقابلة صحفية أن 2015 سيكون عاما للنمو مجددا و السعي للربحية و اختفاء الخسائر نهائيا .

الدرس المستفاد مما سبق هو أن تضع في خطتك معيار تقليص الخسائر قبل السعي للنمو أو التوسع ، فلا نمو أصلا بدون الحد من المشاكل المالية أثناء الأزمة .

 

  • الإحتكار أثناء الضعف سياسة غبية

كان من المنطقي أن تحتكر هواتف بلاكبيري خدمة المراسلة الفورية BBM و الشركة تعيش أفضل أيامها لكن في ظل التراجع و التقهقر يعتبر ذلك سياسة غبية .

رأى جون تشين أن تراجع مستخدمي هواتف بلاكبيري يوازيه تراجع شعبية تطبيق BBM ، في ظل صعود قوي لكل من واتساب و سكايب و منافسين أخرين على المنصات المحمولة ، لذا قرر أن يتخلى عن واحدة من أهم تقاليد العلامة التجارية الكندية إنها حصرية و بقاء BBM على هواتفها فقط .

و بطبيعة الحال توفرت الخدمة على الأيفون و الأندرويد ، أكثر المنصات المحمولة شعبية في العالم لتكون النتيجة الواضحة للجميع هي صعود كبير يخيف المنافسين ، لا ننسى أيضا أنه متاح على ويندوز فون الصاعد .

هذه الخطوة التي إتخدتها إدارته جعلته يصرح مؤخرا بأنه على جوجل و أبل التخلي عن إحتكار تطبيقات كثيرة حصرية لهواتفهم فقط و السعي لتوفيرها بكل المنصات الممكنة ، صحيح أن الشركتين الأمريكيتين في موقف قوة حاليا لذا فهم سيتجاهلون هذه الدعوة غير أنها ستدفع بالمطورين للتفكير بشكل أفضل في تنويع المنصات التي تتواجد عليها تطبيقاتهم و بلاكبيري واحدة منها .

 

  • التفكير خارج الصندوق لخلق مصادر ربح مهمة

خدمة BBM خلال السنوات الماضية لم تكن مربحة بالنسبة لبلاكبيري رغم شعبيتها ، هذا لأن كل الإدارات السابقة لم تفكر خارج الصندوق أو بشكل جديد من أجل جني المال منها دون إزعاج المستخدمين .

و من المعروف أن مستخدمي تطبيقات الدردشة يكرهون الإعلانات و يعتبرونها تجسسا و استخداما غير شرعي لبياناتهم لذا فكر الرجل طويلا في الأمر و خرج بمعادلة مربحة للطرفين.

في عهده تمت إضافة ميزة الملصقات التعبيرية و التي يتم طرح بعض السلسلات مجانا و الكثير منها مدفوعة بسعر 0.99 سنت إلى 1.99 دولار ، البعض منها تم تصميمه من طرف فريق تطوير BBM ما يجعل الربح منها صافيا و هناك عدد كبير أيضا كانت شركات أخرى مسؤولة عن تصميمها و منها ديزني مثلا تربح منها بلاكبيري عمولتها .

لم تتوقف الشركة عند هذه النقطة ، بالعكس أضافت ميزة القنوات CHANNELS و التي تسمح للناس بمشاركة وجهات نظرهم حول حدث معين ، هذه الميزة تعرض من خلالها بلاكبيري دعوات مدفوعة من الشركات للمستخدمين المستهدفين للنقاش و الحديث عن جديد تلك المؤسسات و الأحداث التجارية الخاصة بها و متابعة قنوات العلامات التجارية .

على هذا الأساس عوض أن تبقى خدمة BBM تقلا على الشركة الكندية أصبحث مصدرا مهما للأرباح تتنامى مع مرور الوقت .

إذا كنت تدير مؤسسة أو شركة معينة سواء في ظل الأزمة أو في ظل الرخاء حدد الخدمات الغير المربحة و حاول التفكير أنت و فريق العمل جيدا في كيفية تحويلها إلى منتجات مربحة .

 

  • الرئيس التنفيذي يؤثر بقوة على سمعة المؤسسة أو الشركة .

عكس الألماني ثورشتين هاينز ركز الرئيس التنفيذي الحالي على الظهور بكثرة في وسائل الإعلام من أجل الحديث و التفصيل عن إستراتيجيته و خطوات شركته ، كما أنه يعلق على خطوات المنافسين و يبدي رأيه بصراحة و عفوية في منتجات المنافسين ما أدخله في حروب كلامية أحيانا مع بعض الشركات .

هذا أعطى إنطباعا للرأي العام أن بلاكبيري لا تزال حية و مؤثرة بل و لها رؤية و رأيها مهم لدى المنافسين قبل جمهورها .

على مدار عام تمكن جون شين بهذه السياسة من تلميع سمعة شركته التي اشتهرت من قبل بالصمت ، لذا إستغل أي مؤتمر صحفي أو لقاء مع الصحف من أجل الترويج لمؤسستك في كل وقت .

 

  • إغراق السوق بمنتجاتك ليس الطريق الأمثل للصعود

تعتمد سامسونج و العديد من الشركات الأخرى سياسة إطلاق الكثير من الهواتف الذكية طيلة السنة ، و من المعروف أن بلاكبيري قامت خلال 2013 بإطلاق 6 هواتف ذكية .

بينما خلال العام المنصرم تحث قيادة الرئيس الحالي تم إطلاق أربعة هواتف فقط ، الأول هو BlackBerry Z3 خلال فبراير 2014 و الثاني هو BlackBerry Classic خلال يونيو بعدها تم إطلاق BlackBerry Passport رسميا خلال سبتمبر فيما اختتمت العام بإطلاق Porsche Design P’9983 خلال شهر أكتوبر .

الدروس المستفادة من هذه السياسة التي اتبعتها بلاكبيري خلال 2014 ، هي ضرورة تخصيص حدث خاص بكل منتج و أن يكون هناك فارق زمني بين كل عملية إعلان .هذا سمح للشركة بتسويق كل منتج لمدة كافية من أجل جعله هاتفا مشهورا ، كما أنه ساهم في تقليص الخسائر .

 

  • تسويق المنتج قبل إطلاقه طريقة ترويجية فعالة

هناك إقبال جيد على الهاتف بلاكبيري باسبورت ، ليس فقط لأنه يأتي بمواصفات قوية للغاية أو بتصميم جواز سفر بل لأن جون تشين تعمد إظهار نموذج منه خلال شهر يونيو و على مدار الصيف كانت وسائل الإعلام المختلفة تتحدث عنه من خلال أخبار تسريبات أو تحليلات مسبقة .

هذا هو سر نجاح بلاكبيري باسبورت … تسويقه قبل إطلاقه ، و هو ما تفعله عادة التسريبات مع هواتف الآيفون و الجالكسي.

 

نهاية المقال :

شخصيا هذه هي الدروس التي إستخلصتها من رحلة السيد جون تشين في إنقاذ بلاكبيري من أزمتها القاتلة ، و بالفعل يمكنك استثمارها أنت أيضا إذا تم تكليفك بإدارة شركة أصبحث على الحافة أو حتى إذا كنت تواجه مشاكل كبيرة مع مؤسستك تضعها بالقرب من النهاية المؤلمة .

تمنياتنا بالتوفيق للسيد جون تشين في بلاكبيري و لك أيضا!

5 thoughts on “كيفية إنقاذ الشركات من الإفلاس: دروس من جون تشين في بلاكبيري

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *